عبد الملك الجويني
213
نهاية المطلب في دراية المذهب
قول النبي عليه السلام : " وإن سخطها ردّها ، ورد معها صاعاً من تمر " . واختلف طرق الأصحاب : فذهب بعضهم إلى اتباع الخبر ومحاذرةِ الميل عنه ، فأوجبوا في مقابلة اللبن المحلوبِ صاعاً من تمر ، قلَّ اللبنُ أو كثر . فإن قل قدرُ اللبن مرةً وأبرّت عليها قيمةُ الصاع ، عارضَ ذلك الاكتفاءُ بصاعٍ من تمر وإن كثر اللبن . فهذا مسلك . ومن أصحابنا من قال : يقلّ التمرُ بقلة اللبن ، ويكثر بكثرته ، فقد يوجب ردَّ آصعٍ ، وقد يكتفى بردّ مُدٍّ ، فما دونه ، على ما يقتضيه تعديل القيم . 3124 - ثم كما اختلف الأصحاب في المقدار : فصار صائرون إلى اتباع الصاع ، من غير زيادة ولا نقصان ، وذهب آخرون إلى اعتبار قيمة المبذول بقيمة اللبن . كذلك اختلفوا في الجنس ، فذهب ذاهبون إلى أن الأصلَ التمرُ ، فلا مَعْدِلَ عنه . وقال قائلون : يقوم مقام التمر الأقواتُ ؛ اعتباراً بصدقةِ الفطر ، ثم لا يعدِّي الأئمةُ في هذه الطريقة القوتَ إلى الأقطِ ، كما يعدي بعضهم إليه في صدقة الفطر ؛ فإن السبب الحامل على المصير إلى إجزاء الأقِط خبر فيه ، وذلك الخبر لا يعدَّى به مورده . وقد روى شيخي في بعض صيغ حديث المصراة التعرضَ للحنطة . وهذا هو الذي مهد لأصحاب القوت مذهبَهم ، وإلا فالأصل الاتباع . ثم من عدَّى إلى الأقوات ، وانحصر فيها ، فليس منسلاً بالكلية عن الاتباع . وأما تنزيل المبذول على قيمة اللبن ، فهو مسلكٌ في الجُبران . والضمانُ منقاسٌ . وذكر شيخي مسلكاً غريباً زائداً على ما ذكرهُ الأصحاب في طرقهم ، فقالَ : من أصحابنا من قالَ نَجري في اللبن على قياس المضمونات ، فإن بقي عينُه ، ولم يتغيَّر ، ردّه ، وليسَ عليه رَدّ ( 1 ) غيرهِ . وإن تغير ، ردَّ مثلَه ؛ فإنّ اللبن من ذواتِ الأمثالِ ؛ فإن أعوز المثلُ ، فالرجوعُ إلى القيمة . وقد أومأ إليه صاحب التقريب ، ولم يصرح به . وهذا عندي غلط صريحٌ ، وتركٌ لمذهب الشافعي ، بل هو حيدٌ عن مأخذ مذهبه ، ويبطل عليه مذهب الشافعي في مسألة المصراة ، ولا يبقى إلا الخيار ، فإن اعتمدنا فيه الخبر ، لم يبعد من الخصم حمله على شرط الغزارة ، مع تأكيد الشرط بالتحفيل .
--> ( 1 ) ساقطة من ( ه 2 ) ، ( ص ) .